وَاجِبَاتُ الدُّعَاةِ إِلَى الله

أَغُوْس حَسَنْ بَصَرِيّ السَّنُوِيّ

محاضرة ألقيتها أمام الدعاة الدورة الشرعية، في قاعة معهد العلوم الإسلامية والعربية بجاكرتا يوم الخميس ٧/٨/١٩٩٧م (قبل 27 سنة)

C:\Users\ACER\Downloads\GO41oYnagAAt2cT.jpeg

الدورة الشرعية في نظمها معهد العلوم الإسلامية والعربية بجاكرتا في فترة من 22 ربيع الأول إلى 5 ربيع الثاني 1418 هــ (26 يولي إلى 8 أغسطس 1997 م.

مع المشايخ السعوديين أصحاب الفضيلة:

  1. ش د. ناصر بن عبد الله القفاري (العقيدة)
  2. ش د. محمد بن عبد الله السعيدي (علوم القرآن)
  3. ش د. محمد بن عبد الله السلمان (السيرة)
  4. ش د. عبد الله بن حمد اللحيدان (السنة والفقه)

C:\Users\ACER\Downloads\IMG_20240604_124844.jpg

مع المحاضرات الإضافية من علماء إندونيسيا أو بعض دعاتها :

1. صاحب الفضيلة كياهي الحاج أحمد خليل رضوان، محاضرة بعنوان: تحديات دعوية في إندونيسيا

2. صاحب الفضيلة الأستاذ علي مصطفى يعقوب، محاضرة بعنوان: مبادئ أخلاقية في الدعوة إلى الله

3. العبد الفقير إلى الله أغوس حسن بصري السنوي، محاضرة بعنوان: “واجبات للدعاة إلى الله”. (هذه صورتي سنة 1997م أمام مصلى التابعين باندءان- جاوى الشرقية، عمري حينئذ 30 سنة)

صورة سنة 1994 بعد العودة من الحج

C:\Users\ACER\Downloads\WhatsApp-Image-2021-03-31-at-12.24.301-1024x768.jpeg

حضرت في حفل تخريج الدفعة 47،48،49 في معهد العلوم بجاكرتا 14 مايو 2024م

C:\Users\ACER\Downloads\IMG_20240604_124726.jpg

C:\Users\ACER\Downloads\GNjYynuaoAAk7Lk.jpeg

*** وَاجِبَاتُ الدُّعَاةِ إِلَى الله ***

أَغُوْس حَسَنْ بَصَرِيّ السَّنُوِيّ

بسم الله الرحمن الرحيم

أيها الإخوة في الله

أوصيكم بتقوى الله فإنها وصيته سبحانه وهى وصية رسوله عليه الصلاة والسلام

قال الله جل وعلا ” لله مافي السموات ومافي الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله”

وقال الرسول صلى الله عليه وسلم: “اتق الله حيثما كنت واتبع السيئة الحسنة تمحها وخالق الناس بخلق حسن”, فالتقوى هي رأس المال وهي الربح

أيها الأخوة في الله

حقيقة ما أريد أن أتكلم أمام مشايخنا الفضلاء وإخوتنا الدعاة الأجلاء هيبة منهم وتفضيلا لهم ، ولكن لما عرض على أستاذي الشيخ د. ناصر بن عبد الله القفاري حفظه الله أن أشارك إخواني في إبداء الرأي حرضت نفسى على التقدم بين يديكم نصيحة لى خاصة ولكم عامة. وفي الواقع ليس المتكلم بأعلم من السامع ولكن رب مبلغ أوعى من سامع. قال رجل لعمر بن عبد العزيز رحمه الله . متى أتكلم؟ ، قال : إذا اشتهيت أن تصمت ، قال فمتى أصمت ؟ قال إذا اشتهيت أن تتكلم. فهذي فرصة لى أن أتكلم لأنی آنفا اشتهيت أن اصمت ( مجلة الفرقان ٦٤/٨٤).

هذا واحد، ثانيا لأن بجانبي المشايخ الكرام، إن اعوج لساني فهم سيقومونني، وإن سألتموني فهم سيجيبون عني.

إخوتي في الله

الدعوة هى وظيفة الأنبياء عليهم السلام، والدعوة هي إنقاذ البشر من الظلمات إلى النور، من الوساوس إلى اليقين، من الدركات إلى والدرجات، ومن الجحيم إلى النعيم. فإذن الدعوة هي أشرف الوظائف وأحق المسالك :

کما عرفتم أنه ليس كل واحد يصلح أن يكون داعية كما أنه ليس كل واحد يصلح أن يكون طبيبا . فإذا كان الطبيب جاهلا فإنه لا يزيد المريض إلا ألما وسقما ، فإذا كان الداعية جاهلا فإنه لا يزيد المدعو الا حماقة وضلالة، ولذلك قيل- فيما حدثنا به الشيخ ناصر العقاري -: إن فساد العالم من أربعة : نصف متكلم ونصف طبيب ونصف فقيه ونصف لغوى . فنصف المتكلم يفسد الأديان، ونصف الطيب يفسد الإيدان، ونصف الفقيه يفسد البلدان، ونصف اللغوي يفسد اللسان.

فإذا كان أسهل الوظائف وأدناها تتطلب الإتقان والإجازة فما بالك بأجلّ الوظائف وأرقاها فمن باب أولى متطلب إلى الإلمام والإحاطة بشروطها وأوصافها ومناهجها ووسائلها وأسباب نجاحها ومقتضياتها. فطبعا هذا موضوع كبير وعريض . وأنا أحسن الظن بكم وأثق بكم أنكم أدرى بهذه الأشياء من العبد الفقير . ولكن مع ذلك لا يمنعني أن أذكر نفسي وإياكم ببعض المهمات لنسلم معا من الويلات والبليات ولنرى في الوجود نتائج الدعوة في الحياة وحتى بعد الممات.

إخوتي فے الله

فما الذي يجب على الدعاة؟

أرى اليوم، من أهم واجبات الدعاة ما يلي:

أولا: الرفق.

يقول الله تعالى، في كتابه العزيز ” فبما رحمة من الله لنت لهم . ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم وشاورھم فے الأمر .

قال الشيخ عبد الرحمن السعدى : أى برحمة الله لك ولأصحابك من الله عليك أن ألنت لهم جانبك ) ولو كنت فظا ) أى سيء الخلق ( غليظ القلب ) أى قاسيه ( لا نفضوا من حولك )…. فهذا الرسول (صلى الله عليه وسلم) يقول الله له ما يقول فكيف بغيره؟ أليس من أوجب الواجبات الاقتداء بأخلاقة الكريمة ؟ ومعاملة الناس بما كان يعاملهم به الرسول صلى الله عليه وسلم من اللين وحسن الخلق ؟

ولذلك قال النبي (صلى الله عليه وسلم) ، إن الله – يحب الرفق في الأمر كله. وفي رواية: عليكم بالرفق فإن الرفق ما كان في شيء إلا زانه وما نزع من شيء إلا شانه (خ عن عائشة )

وروى مسلم عن عائشة (رضي الله عنها) أن رجلا سأل النبي (ص) ہم يعرف المؤمن؟ قال بوقاره ، ولين كلامه ، وصدق حديثه ..

والرفق لغة : ضد العنف وهو نوعان رفق بالنفس و رفق بالغير ( الفرقان (٨٤ / ٥٥)

ومن أسباب الرفق بالناس فهم هذه القاعدة : “نتعامل مع العصاة المذنيين ومع الناس المدعوين على أنهم مرضى، وليسوا مجرمين، وعلى أنهم جاهلون وليسوا ضالين جاحدين، و علی أنهم إخوتنا وليسوا أعدائنا”.

فالأية السابقة ترشدنا إلى أمور :

  1. اللين والرفق
  2. إن الهداية والإيمان والحق رحمة من الله لا من عند أنفسنا وهذا يوجب أن لا نتكبر
  3. ولأن اللين يسبب اللألفة والقبول لدى الناس،
  4. ولا ينبغى الغلظة وان ذلك سبب للنفرة،
  5. وأن نعفو عنهم إن خرج ما خرج فيه من الايذاء.
  6. وأن نستغفرلهم : اللهم اغفر لقومی فإنهم لايعلمون واهدهم إلى الحق يا حي يا قيوم،
  7. المشورة معهم والقرب منهم والاستماع إلى آرائهم، لا هجرانهم ومعاداتهم.

ومن أسباب الرفق الشعور الجازم والتذكر الدائم أن هذا العلم و الفهم من الله، فلولا لطف الله بنا لما كنا بشيئ وليبعد أن نكونن مع هؤلاء العصاة والجهلة، بلا فرق. فالخير الذى يصدر منا إنما هو من الله وبه، لا من العبد ولا به كما قال تعالى : ولو لا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد ابداً ولكن الله يزكى من يشاء (النور (21) قال تعالى : ولكن الله حبب إلبكم الإيمان وزينه فے قلوبكم ( الحجرات ٧ – مدارج السالكين ١/ ٥١٧

فكل خير في العبد فهو مجرد فضل الله ومنته وإحسانه ونعمة وهو المحمود عليه – ثم إننا مع ذلك مقصرون و مفرطون سواء كان في حقوق الخالق أو الخلق وإننا من الخطائيني، إذا عرفنا ذلك فلا بد أن ننظر إلى الناس نظرة الرحمة والشفقة لا نظر الازدراء والإهانه، فكما أن أحدنا يجب أن يلطف به وينقذ إذا وقع في المهلكة فكذلك يجب عليه أن يحب لأخيه المسلم ما يحب لنفسه .

ومن أسباب الرفق بالمسلمين أو بالآخرين الشعور الجازم والتذكر الدائم أن العبرة بالخواتم فهل يدرى أحدنا بأية حالة سيخرج من هذه الدار؟ هل يستطيع أن يجزم أن مصيره يكون إلى الجنة لا إلى النار ؟ هل نستطيع أن نجزم أننا سنختم بحسن الخاتمة؟ فهل نقطع أننا سنموت على الإسلام والإيمان؟ ، كلا ثم كلا، وإنما ذلك نرجو وندعو، وقد يكون من نسبُّه و نسخر منه ونستهين به أحسن خاتمة منا، وأعلى درجة في الجنة الحسنى. عسى الله أن يختمنا بحسن الخاتمة ويعافينا عن سوء العاقبة . اللهم اجعل خير أعمالنا خواتمها وخير أعمارنا آخرها و خيرا أيامنا يوم نلقاك فيه .

إخوتى الدعاة: أعزكم الله

نحن الدعاة لا القضاة، فاذن، فليكن لساننا أسرع إلى دعوتهم إلى الحق منه إلى الحكم عليهم بالتكفير والتفسيق والتبديع . وليكن لساننا أحرص على إصلاحهم وإنقاذهم منه على النيل من أعراضهم والاستهزاء بهم . فأقصى أوصاف المتقلين وأرقى ألقاب الصالحين هو كما قال تعالى “أشداء على الكفار رحماء بينهم” ، وقوله: ” أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين””. هذا موقفنا العام بوصف كوننا الدعاة – نحو إخواننا المسلمين عامة من أي مذهب وحزب وجمعية كان .

ثانیا : عدم الغرور بالنفس

قال الإمام ابن القيم رحمه الله : وقد قيل علامة رضا الله عنك ، إعراضك عن نفسك وعلامة قبول عملك احتقاره واستقلاله واستصغاره في قلبك ، حتى أن العارف ليستغفر الله عقيب طاعته وقد كان رسول اللہ صلى الله عليه وسلم اذا سلّم من الصلاة استغفر الله ثلاثا، و أمر الله عباده بالاستغفار عقيب الحج. ومدحهم على الاستغفار عقيب قيام الليل، وشرع النبي عقيب الطهور التوبة والاستغفار. فمن شهد واجبه نحو ربه و شهد مقدارعمله وعيب نفسه لم يجد بدا من استغفار ربه منه واحتقاره إياه واستصغاره (١ / ٤٥٤ )

فالمؤمن جمع إحسانا في مخافة وسوء ظن بنفسه، والمغرور من حسن الظن بنفسه مع إساءته.

ومن مظاهر الغرور الجزم بالفتوى والقطع بالحكم في مسألة قد اختلف فيها سلف الأمة وطال بها كلام مجتهدى الملة وكتب فيها المجلدات الضخمة، ثم يأتي هذا المسكين ويقول بكل سهولة و بكل يقين مائة في المائة : هذا صحيح وراجح قوي وهذ خطاء، ضال مضل. فإذا قيل له: يا أخي بارك الله فيك، ماذا قال ورثة الملة وأمناء الرسالة؟ قال: لا أحفظ الدليل لكن هكذا قرأت فے بعض الكتب أو في المجلة. فهو لا يحفظ دليلا واحدا فضلا عن الاستيعاب والاستدلال والاستنباط من الكتاب والسنة. فهذا الدين له أصوله وقواعده وحفاظه وأربابه، فحذار حذار أن نجعله لعبة في أيدى الغلمان وصغار أساتذة المدرسة …

ومن مظاهر الغرور الجزم في إثبات شيء لم يكن موجودا في العصور المفضلة ولم يكن معروفا في ألسنة علماء أهل السنة، بل ظاهره مجانيا للحق ومخالفا للصواب.

أضرب لكم مثالا . بالمثال يتضح المقال

بعض الدعاة أراد أن يجعل الحاكمية نوعا مستقلا من أنواع التوحيد الثلاثة المعروفة، ويقول إن الشيخ محمد بن عبد الوهاب قد اهتم بتوحيد الألوهية في زمنه، حيث رأى الناس يقصرون في التوحيد من هذه الناحية، والإمام أحمد في زمنه قد اهتم بتوحيد الأسماء والصفات حيث رأى الناس يقصرون في التوحيد من هذه الناحية، أما الآن فبدأ الناس مقصرون في توحيد الحاكمية فلذلك يجب أن نهتم به ونجعله نوعا مستقلا.

هذا نوع من التفكير الجيد، فكم من علم يأتي من قلب عقول ولسان سؤال، ولكن لا بد أن نعلم أن الفكرة إذا خرجت من عند أنفسنا ولم نعرف من قال به من سلفنا فلابد أن نعرضها على أهل الذكر، و لا نثبتها ماشرة ونجادل بها وندافع عنها مبرزين عضلاتنا .

فأنواع التوحيد ثلاثة معروفة لا رابع لها ، والحكم بما أنزل الله يدخل في توحيد الألوهية لأنه من أنواع العبادة لله سبحانه ، وكل أنواع العبادة داخل في توحيد الألوهية . وجعل الحاكمية نوعا مستقلا عمل محدث ، لم يقل به أحد من الأئمة . هذا ما أفتاه هيئة كبار العلماء في المملكة العربية (- الفرقان ٢٤/١٤)

وللأسف الشديد الأمة تعانى من بعض طلبة العلم الذين اغتروا بأنفسهم فكأنهم جعلوا أنفسهم شيخ الإسلام في القرن العشرين فهم يفتون الناس، لا يعلمونهم، فسارعوا إلى الحكم: هذا محدث وهذه بدعة وهذه ضلالة، بناء على قاعدة قرأها أو سمعها ولم يعقل معناها بعد – يا أخى الكريم عفا الله عنك – قف عند قدرك واعرف ما في وسعك ” .

العلماء رحمهم الله جزاهم الله عنا وعن المسلمين خيراً إذا عرض عليهم مسألة ولا يعرف لها جوابا قالوا: والله أعلم . أما نحن طلبة العلم فأقصى ما يجوز لنا أن نقول: قبل كذا، ولعله كذا – لا نجزم و لا نماری. لذلك قبل ” والله أعلم نصف العلم (لأنه شعار العلماء) ، وقبل ” نصف الجهل (لأنه شعار الضعفاء)

ومن مظاهر الغرور بالنفس عدم احترام العلماء, والتأدب معهم. وهذه نتيجة جهلهم والاغترار بأنفسهم

وإذا قيل له مثلا : هذا ما أفتى به شيخ الاسلام ابن تيمية. فقال هذا المسكين: وإن قال ابن تيمية! .

و إذا قيل له: قال به الإمام النووى ، قال : من هذا النووي، هو مخالف منهج أهل السنة، فهو غير معتمد! أعوذ بالله . لا يقف عند هذا الحد بل قال : يحرم شراء کتب الغزالى والسيوطى والنووى بل يجب إحراقها. يامسكن فتح الله قلبك، من أنت وهؤلاء، الفرق بينك وبينهم كبير، كمثل الحى والميت. والعلماء لحومهم مسمومة وأعراضهم مصونة وأعداؤهم ملعونة .

قال الإمام الشافعي رحمه الله : لو كان العلماء ليسوا بأولياء الله فلا أعرف من هم. وإياك والنيل من أعراضهم، أما كونهم مخطئين في بعض المسائل فکل بنی آدم خطاء وكل يؤخذ من قوله ويرد إلا صاحب هذا القبر- فاطلب لهم العذر.

إخوتى فى الله : يجب علينا أن نشكر الله وينبغى لنا الترضى عن الصحابة والترحم على العلماء والدعاء لهم. قال الله عز وجل، والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذي آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم )

من منا يترحم على العلماء عند ذكرهم؟ ومن منا يدعو للعلماء الأحياء منهم والأموات؟

كان الإمام أحمد رحمه الله : يكثر الدعاء للإمام الشافعي رحمه الله . وقال إنه لا يترك الدعاء له إلى أن توفي رحمه الله – قرابة ٤٠ سنة

عن عبد الله بن الإمام احمد رحمه الله أنه قال: قلت لأبى : أى رجل كان الشافعي؟ فإني أسمعك تكثر الدعاء له . فقال : يا بني كان الشافعي رحمه الله كالشمس للدنيا وكالعافية للناس، فانظر هل لهذين من خلف أو عوض؟ ( الأرخبيل ٣ / ٤ – ١٤١٨هـ ) الله اكبر

من مظاهر الغرور كذلك بغض بعض الدعاة لبعضهم أو المسلمين الذين يتبعون مذهبا آخر أو رأيا مخالفا لرأيه وهذا بناء على جزمه بأنه كان هو الذي تمسك بالكتاب والسنة وأما غيره فنبذ النور والحكمة .

فالخلاصة أننا ندين بعقيدة السلف ،وينبغي كذلك أن نقتدي بأخلاقهم عند الاختلاف.

نعطي لكم أمثلة تدل على سمو إيمانهم ورحب صدورهم وصدق نياتهم وشرف أخلاقهم.

سأل بعضهم أمير المؤمنين عليا رضي الله عنه عن أهل الجمل أمشركون هم ؟

فيقول : من الشرك فروا ،

قالوا: أمنافقون هم؟

فيقول رضى الله عنه: إن المنافقين لا يذكرون الله إلا قليلا .

فيقال : فمن هم إذن ؟

فیقول: إخواننا بغوا علينا .

قد ا ستشار على بن أبى طالب رضى الله قضاته في البصرة في القضاء بشهادة أهل البصرة من الخوارج أو عدم قبول شهادتهم فأمر بقبولها كما كانوا قبل حربهم له لأنه إنما حاربوا على تأویل (( ارخبيل (٤/٣)

الإمام الشافعي رحمه الله لما زار الكوفة صلى فى مسجد أبي حنيفة :- بجانب قبره – فصلى الصبح وترك القنوت إكراما لصاحب القبر، ولم يسجد للسهو.

قال الإمام القاضى فضيل بن عياض رحمه الله : كنت لا أقنت في الفجر إلا إذا صليت خلف إمام یقنت – أقنت معه.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: المسلمون متفقون على جواز صلاة بعضهم خلف بعض، كان الصحابة والتابعون ومن بعدهم من الائمة الأربعة يصلي بعض خلف بعض ومن أنكر ذلك فهو مبتدع ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع المسلمين. وقد كان في الصحابة والتابعين ومن بعدهم من يقرأ البسملة . ومنهم من لم يقرأها، ومع هذا، فقد كان بعضهم يصلى خلف بعض، مثل ما کان أبو حنيفة وأصحابه والشافعي وغيرهم يصلون خلف ائمة المدينة من المالكية وإن کانوا لا يقرؤون بالبسملة لا سرا ولا جهرا.

وصلى أبو يوسف خلف الرشيد وقد احتجم وأفتاه مالك بعدم وجوب الوضوء، فصلى خلفه يوسف ولا يعيد … وكان أحمد يرى الوضوء من الحجامة والرعاف . فقيل له : فإن کان إمامي قد خرج منه الدم ولم يتوضأ أصلى خلفه ؟ فقال کیف لا أصلى خلف سعيد بن المسيب ومالك .

فهذا أخلاقهم

قال عمر بن عبد العزيز رحمه الله: ما أحب أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يختلفوا لأنه لو كان قولا واحدا كان الناس في ضيق، وأنهم أئمة يقتدى بهم فلو أخذ رجل بقول أحدهم كان في سعة “

قال البغوى: أما الاختلاف فے الفروع بين العلماء فاختلاف رحمة أراد الله أن لا يكون على المؤمنين حرج في الدين . فذالك لا یوجب الهجران والقطيعة ، لأن هذا الاختلاف كان بين أصحاب رسول الله (ص) مع كونهم إخوانا مؤتلفين رحماء بينهم. وتمسك بقول كل فريق منهم طائفة من أهل العلم بعدهم. و كل في طلب الحق وسلوك سير الرشد مشتركون …

قال د. قاسم على سعد ( أستاذی) حفظه الله :

فحریّ بطالب العلم أن يعرف قدر نفسه و يعترف قدر غيره وأن يلتزم جانب العدل والإنصاف ويبتعد عن الظلم والإجحاف

قال الإمام الكبير والعالم النَّحریر أبو عمرو بن العلاء شيخ العربية والقراء (١٥٤ هـ)) موضحا منزلة السلف أبلغ إيضاح بمقولته المشهورة التي ينبغي لكل طالب علم أن يحفظها وأن يتخلق بها وأن يجعلھا دائما نصب عينيه ” ما نحن فيمن مضى إلا كبقل في أصول نخل طوال “

ثالثا: القدوة الحسنة .

فالنفوس جبلت على عدم الاقتداء بمن خالف فعله قوله. قال ابن القيم : علماء السوء يجلسون على أبواب الجنة فيدعون الناس إلى الجنة بأقوالهم ويدعون الناس إلى النار بأفعالهم .

ومن صور القدوة الحسنة العمل بالعلم ، والعلم هو الوسيلة والعمل لله هو الغاية فمن تعلم ولم يعمل فهو معرض للفتنة وعذاب أليم :

ولذلك قال الإمام أحمد (رحمه الله ) ليس العلم بكثرة الرواية وإنما العلم الخشية .

قال ابن القيم: ومراتب العلم والعمل ثلاث؛ رواية وهي مجرد النقل وحمل المروى، ودراية وهي فهمه وتعقل معناه، ورعاية وهى العمل بموجب ما علمه ومقتضاه .

فالنقلة همتهم الرواية، والعلماء همتهم الدراية، والعارفون همتهم الرعاية – ( مدارج ١/ ٤٩٢ )

والعلم زكاته العمل كما أن المال زكاته إنفاقه فيما يرضي الله عز وجل، فمن لم يزك ماله يعاقب، ومن لم يزك علمه يعذب ” ولا تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن أربع منها عن علمه فيما عمل : فقد أثبت الإمام الفقيه محمد بن رسلان الشافعي (٨٣٣) فی کتاب متن الزبد فے المذهب الشافعي :

فعالم بعلمه لم يعملن معذب من قبل عباد الوثن

رابعا : العلم قبل العمل، والدراسة قبل الدعوة .

أعنى لا ندعو الناس بل ولا نعمل إلا ما كان مشروعا ولا نمنع الناس إلا إذا تبين أنه كان ممنوعا. وهذا يوجبنا أن نفهم الفروق بين المصالح المرسلة وبين البدعة، والفروق بين المسائل البدعية وبين المسائل الخلافية، والفروق بين الوسائل الدعوية و بين العبادة المستحدثة. وهذه لا تفهم في اليوم أو الليلة بل تحتاج إلى الدراسة المستمرة الجادة.

فقد نظم الإمام الجليل محمد بن رسلان الشافعي:

فكل من بغیر علم يعمل أعماله مردودة لا تقبل

وزن بحكم الشرع كل خاطر وإن يكن مأموره فبادر

أما الصحيح في العبادات فما وافق شرع الله فيما حكما

خامسا : عدم التساهل في ترك المسنونات وفي ارتكاب المكروهات .

فالناس ينظرون إلى الداعية بنظرة ثاقبة، فالناس على دين علمائهم، إذا تساهل الداعي في المسنونات تساهل الناس في الواجبات، وإذا تساهل الداعي في المكروهات تساهل الناس في المحرمات.

فإذا أنت أيها الداعي لا بد أن تحتاط لدينك أكثر من غيرك.

قال ابن القيم : العارف بالله يترك كثيرا من المباح صيانة لدينه وحماية لعرضه. و لا سيما إذا كان المباح برزخا بين المباح والحرام .

ذ کر فے ترجمة يحيى بن يحي الأندلسي أنه تعلم عند مالك. فجاء الفيل، فناد مناد جاء الفيل، جاء الفيل، فانصرف الطلاب وبقى يحى مكانه فقال مالك : لِما لا تخرج تنظر الفيل، إنه لا يوجد بأرض الأندلس ، فقال : إنما جئت من بلدي لأنظر إليك وأتعلم من سمتك، وما أتيت لأنظر إلى الفيل. فأعجب به الإمام مالك فلقبه بعاقل أَهْلِ الأندلس. ( عبد الإله بن سلمة في سورابايا)

إذا كان هذا شأنهم في المباحات وما بالكم في المنهيات؟

لذلك على الدعاة :

(١) – ملازمة أذكار الصباح والمساء وأذكار دبر الصلوات المفروضة

فالذاکرون هم المفردون – فهم السابقون فهم أولى الألباب فهم أولياء الله فهم المقربون فالذكر أفضل الأعمال، لذلك كان الذكر الدائم شاقا وأهله قليلا، إلا من منّ الله عليه فضلا.

سأل أعربي رسول الله (صلى الله عليه وسلم) أي الأعمال أفضل؟ فقال : أن تفارق الدنيا ولسانك رطب من ذكر الله ( صحيح، أحمد، بغوي، ترمذي)

وقال له رجل : إن شرائع الإسلام قد كثرت عليّ فمُرْني بأمر أتشبث به، فقال: لا يزال لسانك رطبا من ذكر الله. (صحيح، ترمذي)

(٢) الاجتناب عن الإسبال خاصة في الصلاة . – (الإزار، القميص، أو السروال ) . لورود النهى عنه مطلقا والوعيد بالنار مقيدا) فأقل الحكم على الإسبال عند عامة الفقهاء الذي أعرفه هو مكروه. فمن لم يعرف فليقرأ رياض الصالحين وشرحه دليل للفالحين، أو كتابا أخر. فالمكروه ما يثاب على تركه، فالمؤمن الواعي لا يستغنى عن ثواب الله عز وجل : هذا عند من قال بكراهته كالمذهب الشافعي، فكيف بمن قال بحرمته مطلقا، فالأمر أشد من هذا

(٣) الاجتناب عن التدخين . فبعض الإخوة لم يتركوا الدخان مع علمه إنه محرم أو مكروه فعلى فرض صحة كراهته فالمؤمن العاقل والداعى الواعي يترك هذا الشيء الخبيث .

قال الإمام شيخ الإسلام أبو إسماعيل الهروى الحنبلي الصوفي مصنف كتاب ذم الكلام ( ٤٨١ هـ ) هذا الكلام أنقل من مقررات مؤتمر نهضة العلماء: “أن المباح إذا كان العمل به يوهم العوام بسنيته فهو مكروه”. فنقول ” إن المكروه إذا كان العمل به يوهم العوام بإباحته أو سنيته : فهو قد يكون حراما، لأن ما يؤدي إلى المكروه فهو مكروه، وما يؤدي إلى حرام فهو حرام. ((نص بعض أهل العلم على أنّ المكروه يصبح معصية مع الإصرار والمداومة على الوقوع فيه. قال ابن الحاج رحمه الله تعالى: ” وأما المكروه فقد قال علماؤنا رحمة الله عليهم: إن المداومة على المكروه يفسق فاعله. ” انتهى، من “المدخل” (3 / 211). وقال الشاطبي رحمه الله تعالى: ” … فإن الإثم في المحرمة هو الظاهر، وأما المكروهة؛ فلا إثم فيها في الجملة؛ ما لم يقترن بها ما يوجبها، كالإصرار عليها، إذ الإصرار على الصغيرة يصيرها كبيرة، فكذلك الإصرار على المكروه، فقد يصيره صغيرة… ” انتهى، من “الاعتصام” (1 / 296).)) والله أعلم.

فیا إخواننا ” احرص على ما ينفعك ولا تعجز. ” (فالمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده )”.

(٤) الاجتناب عن الاستماع إلى الموسيقى من أي نوع كان . وهكذا زلة العالِم يفسد العالَم – فاتقوا زلة العالم فإنه فتنة لكل مفتون .

الدعاء:

اللهم رب جبرائیل و میکائل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون : اهدنا لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقم.

اللهم وفقنا واهدنا وسددنا واجمع لنا بين الصواب و الثواب، وأعذنا من الخطأ والحرمان، سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم.

وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين. وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *